القسم السابع – لبنان وأبعاد النظام الاقطاعي

          كان الاقطاعيون المسلمون يعيّنون المقد ّمين والمشايخ الموارنة في انحاء جبل لبنان . فالاقطاعية  المسيحية  والمارونية اللبنانية لم تجد قوتها في شعبها كما في عهد المردة الاستقلالي  بل في سلطة الاقطاعية العربية والدولة  العثمانية …وقد  برهنت  انها  العدو  الاول  والاخطر  للأمة ، والمتسبب الاول للهزائم والنكسات التي يتكبدها الوطن  …فهي  لم  تدع  فرصة  تمرّ الاّ  واثبتت ارتباطها  بالحكام المسلمين عربا كانوا ام عثمانيين. وقد  طبعت  هذه  الظاهرة  تاريخ  لبنان  المتوسط  والجديد  بطابع  عميق [1]  وليد  فارس

نشأ النظام الاقطاعي باكرا في لبنان عندما خضعت ملكية الارض اللبنانية  للغرباء والغزاة الفاتحين، الذين امعنوا في اغتصاب الارض وخيراتها، وفي نهب ثرواتها الطبيعية واخضاع سكانها للمسكنة والظلم لمئات السنين.  فالجماعات الاسلامية التي إستقدمت الى لبنان لضرورات السيطرة الامنية والدفاع عن مكتسبات الفتح العربي الاسلامي انتشرت بداية في مناطق الاطراف والسواحل، ثمّ أخذت تمتدّ وتتوسّع على  حساب السكّان الاصليين مضيّقة عليهم الحصار من اجل محو شخصيتهم التاريخية واقتلاعها من جذورها. فاحتفظ العثمانيون بالتقسيمات المملوكية القديمة، وانحصرهمّهم في اخضاع الناس لسلطتهم واجبارهم على دفع ما يتوجب عليهم من الضرائب للسلطنة عن طريق موظفين محليين، جرى تعيينهم ودعم حكمهم ونفوذهم من اجل تحصيل الجزية وسائر الضرائب للخزينة. هكذا خُلِقت الامارة اللبنانية فكانت تتالف من مجموعة امارات محلّية صغيرة يبسط سلطَتَه على كل منها امير صغير او مقدم اوشيخ،وعلى رأس هؤلاء الحكام المحليين، تختار العشائرالكبرى والعائلات النافذة بالشورى اميرا عاما تخضع لحكمه وسلطانه من خلال أحكام العادات والتقاليد الموروثة التي كانت تحدد السلوكية المجتمعية والسياسية لأهل البلاد كافة [2] . وكان من مهام الاميرالمعيّن ان يحصل اولاً على رضى السلطان الذي يثبته في سدّة الحكم لمدة محددة ليرعى شؤون البلاد الداخلية ويقوم بجباية الضرائب في مواعيدها. وخضع هذا التعيين في اغلب الاحيان للمزايدة  بين طالبي السلطة أي في من  يحصّل لبيت المال السلطاني اكثر من غيره. وجرت العادة ان ينحصر التعيين في افراد العائلة الواحدة ولنا ان نتخيّل مساوئ هذا النظام وفساده على استقرار البلاد والسلم الاهلي .

 أمّا إرث الاقطاعي بعد الوفاة فكان ينتقل غالبا  الى ابنه البكر، ونادرا ما  كان يجري تقسيم الاقطاع بين الابناء حفاظا على الثروة والنفوذ. وقد ساد هذا التوزّع الاقطاعي ايام المعنيين دون تغيير يذكر. واعيد توزيع الاقطاعات ايام الشهابيين بعد معركة عين دارا الشهيرة سنة  1711التي دارت رحاها بين القيسيين واليمنيين وانتهت  بانتصار الشهابيين زعماء الحزب القيسي وحلفائهم، والى هلاك الحزب اليمني وتشتيته وهروب الناجين من المذبحة والتجائهم الى حوران في سورية ويتعهّد الاقطاعي ضمن حدود منطقة نفوذه جباية الخراج او ما تدعوه العامة  “الميري” وبعد اقتطاع حصّته يرفع المحصول للامير الحاكم. وغالبا ما  يجري ذلك في حدود رقم سنوي محدد سلفا “وهو الخراج السنوي”، كما يلتزم بحشد وقيادة قوة عسكرية من الفلاحين في اقطاعه يؤدون الخدمة العسكرية للأمير الحاكم. “فلا الامير الاكبر ولا بقية الامراء يملكون جيشا وليس لديهم سوى اناس للخدمة البيتية وبعض عبيد سود. فاذا ما نشبت الحرب فان كل رجل شيخا كان ام فلاحا ، قادر على حمل السلاح يستدعى للقتال. وعندها يأخذ كل واحد كيسا صغيرا من الدقيق وسلاحا وبضع طلقات وقليلا من البارود المصنوع في القرية  ويتوجه الى المكان الذي عينه له الحاكم .[3]

 رسم لإقطاعي من جبل لبنان

رسم لإقطاعي من جبل لبنان

اما فئات المجتمع فقد انقسمت في جبل لبنان طبقا لنظام هرمي يتربع على  قمّته الامير ومن يليه من مقامات وتراتبيات، الى فئتين: الاولى وهي فئة الملتزمين بجبايةالضرائب لصالح الدولة العليّة أو المقاطعجيين(نسبة الى توزيعهم في الإقطاعات)وهم الحاكمون واصحاب الحول والطول في السلطة وذلك سواسية بين الدروز والنصارى. وفئة العامة وهي الطبقة الشعبية(العوام )التي تتألّف من طبقة الفلاحين الذين لا يملكون ارضا، ويعملون عند سواهم بالشراكة ، وطبقة صغار الملاكين التي تملك قليلا من الارض. وتضمّ المهنيين والحرفيين وصغار رجال الدين وهي الطبقة الغالبة عدديا وقد وقع على اكتافها وحدها عبء الضرائب الباهظة وبعض اعمال السخرة لصالح الدولة او لصالح الامراء الوطنيين. كاعمال بناء الطرق العامة والتحصينات وتشييد  قصور الامراء والعمل في المناجم ونقل المواد المستخرجة مجانا او لقاء مبالغ زهيدة كما جرى في ايام الحكم المصري. وكانت بضع أسر اقطاعية درزية في القرن الثامن عشر تحتلّ وحدها عشر الاراضي المزروعة في لبنان الجنوبي، وهي تتملك قطاعات وقرى بكاملها في  سائر المناطق. وتحمل  القابا تُورَّث تغدَق عليها من المحتلّين او من الامير الحاكم. تراوح بين لقب امير او مقدّم او شيخ  لتشمل سائر افراد العائلة. واكثر هؤلاء انما خرج من طبقة العامّة. يقول المستشرق فولني[4] الذي زار المنطقة في عهد الامير يوسف الشهابي” قد لا تتميز هذه الطبقة لا بالفضائل الخاصّة ولا بالثروة الكبرى”. وكان الاقطاعيون على درجات ومراتب. يتمايزون بعضهم عن بعض في الرتبة والوجاهة وعلو الشأن والمقام[5] والامراء هم اعلى درجة من المشايخ ولكل من الفريقين طبقات متفاوتة. وهذا ما  يفسّرالصراع من اجل السيطرة السياسية والنفوذ في لبنان بين الاقطاعيين فهم يتصرفون في مقاطعاتهم  أمرا ونهيا  بين اهلها ويجبون خراجها  واموالها السلطانية (اي الاموال المترتبة للخزينة المركزية في آلاستانة وتسلّم الى الوالي العثماني في عكا) فيدفعون منها الى الحاكم مقدارا معلوما ويبقى في ايديهم (فضلةًَ )يعينها الامير لهم لأجل نفقاتهم [6]

 وكان الأقطاعيون[7] ينظرون في الدعاوى الصغيرة التي تجري بين  رعاياهم ولا تتعدّ عقوبتها الحبس. وبقي القضاء في امور الجرائم من اختصاص الامير الحاكم. اما سلطة رجال الدين فلم تتعدّ الاحوال الشخصية في ظلّ الشريعة والاعراف. وعاش سكان الجبل على مدى اجيال في مناطق شبه معزولة بعضها عن بعض. وقد عرفوا بالتباين والخصام والتنافس من جهة وبالشجاعة واكرام الضيف من جهة ثانية. ” وتقع في البلاد عداوات كثيرة  بين (المقاطعجيين) ويجري بينهم وقائع  شتى  ويُقتل منهم خلق كثير فيتعصّب لكل فئة جماعة من اصدقائهم يحضرون القتال معهم ويلقون انفسهم الى المهالك تبرّعا من غير سبب يتعلّق بانفسهم. لا تزال هذه العصبية بينهم يتوارثونها خلفا عن سلف الى ما شاء الله من الزمان ولم يكن في ذلك فرق بين النصارى والدروز…وفي هذه العداوات كانوا يلتزمون المروءة ويتحاشون الدنايا …وقد جرت العادة ان لا يقتل احد منهم  بامر الحاكم ولا يحبس ولا يضرب. فاذا اذنب احدهم كان قصاصه بسلب المال او اتلاف العقار او النفي من البلاد وغير ذلك الا في النادرعند ضعفهم واستظهار الحاكم عليهم” [8]

وبسبب وقوع لبنان في مناطق يصعب على الحكم المركزي الوصول اليها. فقد تمتّع الفلاح اللبناني على مدى الاجيال ببعض الحريات.لذلك اتخذت الاقطاعية شكلا خاصا بها اقل وطأة عليه من سواه في بلاد الجوار. فلم يكن يخضع مباشرة لادارة المتسلطين الغرباء. ولم يكن عبدا مسخّرا لمشيئة المالك وضرائبه[9]. بل كان مزارعا يعمل في الارض ويحصل على جزء من غلالها باتفاق مشاركة: كالمرابعة والشراكة الحموية والحلبية والشراكة بالمغارسة[10]. ولكنه انساق وراء حزبية الاقطاعيين المستبدّين في حروبهم الصغيرة وفي صغائرهم ومناوشاتهم  وتنافسهم لتحقيق مصالحهم الانانية  والشخصية . ” والحروب الاقطاعية هي محاولات لتملّك عمل الفلاّحين الذي هو منبع الثروات  والسلطة والنفوذ.  فمن هذا العمل يقتات الاقطاعي  والامير والسلطان، ومنه يصنع هؤلاء جيوشهم ويقوون سلطتهم ونفوذهم، ويبنون قصورهم. …ويمكننا تصور الوضع كالآتي: اناس يعملون وينتجون الثروات، وآخرون لا يعملون ولا ينتجون ويتحاربون على استملاك هذه الثروات ويستعملون كجنود في حروبهم منتجي الثروات بانفسهم، بمعنى آخر يحارب الفلاحون كي يصبح اسيادهم اغنى واقوى. وفي هذه الحروب التي يفتعلها الاقطاعيون يموت الفلاحون دفاعا عن مصالح زعمائهم…وليس للحروب هنا اية علاقة بالدفاع عن الوطن او صدّ العدو…ويحاول الاقطاعي عامة لتحقيق مآربه تحريض فلاحيه بشعارات وطنية احيانا وعنصرية او طائفية احيانا اخرى…اما الحروب التي حاولت اعادة الثروات لمنتجيها اي الى الفلاحين(الانتفاضات الفلاحية:طانيوس شاهين)او حتى تلك التي حاولت الانتفاض ضد ضريبة اكبر(عامية لحفد)فقد قمعت من قبل الاقطاع او اجهضت بوسيلة او بأُخرى، واهم وسيلتين لذلك هما القوة المباشرة…او تحريض الفلاحين بعضهم على بعض  بشعارات طائفية “[11].

كان الفاتح  العثماني يملك الارض اللبنانية بحق الفتح ملكا ضرائبيا فيحق له ان يجبي ضريبة من هذه الارض دون الحقّ في ملكيتها الفعلية. وان يوكل حق جباية الضرائب من الاراضي الاميرية الى الوالي الذي يلّزم جبايتها  للامير لقاء مبالغ من المال. وقد جرى في اغلب الاحيان تلزيم الجباية للامير، الذي يدفع مالا  اكثر من سواه[12].  اما اللبناني فقد تميز بحق ملكية الارض المعهودة اليه والتصرف بها كما يحلوله. ولكن غالبا ما كان الاقطاعي يحصل على اخصب الاراضي بشرائها بشروطه او بايجاد ذريعة لطرد الفلاح منها وضمّها الى اراضيه.وقد تملك الاقطاعيون مساحات واسعة من اراضي  لبنان.  يكفي ان نذكر ان الجزء الاكبر من منطقة جزّين هي لآل جنبلاط. وفي منطقة  كسروان هي لآل الخازن. وقد توزعت  ممتلكات الشهابيين في اكثر المناطق . ” واستطاع اصحاب المقاطعات الدروز ذوو السطوة(والذين كانت ممتلكاتهم داخل  مقاطعاتهم) ابان توزيع مقادير الضرائب بين المناطق المختلفة ان يحصلوا لدى الامراء الحاكمين على  تقليص الضرائب على مقاطعاتهم على حساب زيادة الضريبة المجباة من المسيحيين. اما في داخل المقاطعات فقد كان اصحابها يحاولون توزيع الضرائب بحيث يقع العبء الاهمّ على الفلاحين والملاّكين الصغار وكان من المحتّم ان يقوي هذا التصرّف من استياء الفلاّحين، وان يولّد تناقضات داخلية بين الكتل الدرزية والمارونية الاقطاعية[13]. انّ التغييرات الاقتصادية والحاجات الحربية التي  حدثت في البلاد ادّت الى نموّ الضرائب في حركة تصاعدية لافتة. وفي المقابل كان رجال الدين والاقطاعيون يتمتعون بامتيازات ضريبية.  فتحولت الاعباء الضريبية كلّها على كاهل العامّة: ضريبة “الميري” على الاراضي المزروعة والاشجار المثمرة والتوت وعلى تربية دود القزّ وحلّ شرانق الحرير، وضريبة الجوالي على الرأس،  وضريبة  المواشي،  والضريبة على المتزوجين الجدد،  وضرائب العيدية التي يقدمها الفلاح الى الاقطاعي بشكل هدايا بالمناسبات الدينية والعائلية[14]والضرائب المفروضة على العمائم والاقمشة. أضِف الى ذلك ما كان يتعرّض الفلاح المسكين من تكليفه باعمال السخرة  للاقطاعي وللدولة، ومن دفع رسوم على اسواق البيع والشراء، ومن تكاليف لرجال الدين لقاء قيامهم بالواجبات الاجتماعية والطقسية. وباختصار كانت الطبقة العامية ترزح تحت ثقل الضرائب العامة.  والفلاح يغرق في مزيد من الديون والارتهان للاقطاعي بعد ان يحلّ به الخراب “وغالبا  ما  كانت  الملكية  الفلاحية  مثقلة  بالديون  وقد  اصبح  تجريد  الفلاحين  الذين  حلّ  بهم  الخراب  من  اراضيهم  في  القرن  التاسع  عشر  ظاهرة  شائعة.  وكان  من  اسباب  حرمان  الفلاحين  من  الارض  كذلك  التقسيم  المستمرّ  للارض  بين  الورثة  وكان  الامر  يصل  الى  حد  ان  ما  يقسم  بين  الورثة  لم  يعد  قطع  الارض  بل  اغصان  التوت  الضخمة وفروع  شجر  التين  والزيتون”[15]. وكان الباشوات الاتراك والامراء  يتّبعون سياسة مالية ظالمة، في وقت اصبحت فيه حالة الفلاحين الاقتصادية على شفيرالهاوية. وفي هذا النظام، حيث  يكلف امير البلاد بجباية الضرائب. ويكّلف هو بدوره الاقطاعيين الذين يكلون الى اعوانهم امر جبايتها لصاحب المقاطعة. فتجبى في مواعيدها واحيانا قبل ذلك تبعا لحاجة الاقطاعي الى المال. وفي حال تأخّر الفلاحون القرويون عن الدفع يرسل الامير خيّالته لتعيش عند الفلاحين وتفقرهم حتى تسديد آخر غرش مستحّق[16] وكانت هذه الحالة قد تفاقمت منذ اواخر القرن الثامن عشر حيث حصلت عدة صدامات بين الشعب والاقطاعيين في زمن الامير يوسف، وبين الشعب وعساكر الجزار. ولكن العصيان الفلاحي الذي حدث سنة  1820 قد فاق جميع ما سبقه في الاهمية والنتائج. كان فلاّح الجبل يحتفظ بكامل تمتّعه بحرّيته الفردية ومن ثمّ بأمكانية ان يكون مالكا لحقله. ولم يكن ثمة ما يحول دون حقه في الانتقال من سيّد الى آخر، ومن قرية الى اخرى. ان هذه الحرّية الاساسية، هي التي  تفسّر حركة الهجرات الدائمة التي حملت جماعات كثيرة من موارنة الشمال في القرنين  الخامس عشر والسادس عشر،على الاقامة في كسروان اول الامر، ثم في المتن والشوف وجزين وفي عدد من قرى الجنوب[17].

 


[1]كان  الموارنة  كيفما  حاربوا  وجدوا  انفسهم  يحاربون  حاكما  ممثلا  وطاغية.  فان  هدفهم  كان  واحدا :  تحرر  لبنان ولكن  اقطاعييه  بالتعاون  مع  الاقطاعية  العربية  قطفوا  في  كل  واقعة  ثمار  انتصار  ماروني  شعبي…مما  جعل  من  السلطات  الدينية  التي  تمثلت  في  البطريرك  تعاونه  اديرة  الرهبان،  السلطات  الطبيعية والشرعية  لعامة  الشعب  الماروني  والمسيحي عامة 23 : 108

[2] “  وتحولّت  هذه  الارتباطات  بين  الجماعات  المختلفة  والمناطق  التي  تسكن فيها الى  اقطاعات  كوّنت  النظام  الاقطاعي  الذي  ازدهر  في  لبنان  اكثر  من  خمسة  قرون … ووجدت  الطائفية  في  الاقطاعية  نظاما  جديدا  كي  تستغله  لصالحها؛ ووجد الاقطاعيون في  الطائفية  ستارا  جديدا  كي  يتستروا  وراءه  لتحقيق  رغباتهم 23 : 78

[3] 19 :  194-196

[4] ” يتميّز هؤلاء  عن  الفلاّحين بلبس  عباءة  رديئة  واقتناء حصان  وقليل  من  التفوّق  في  المأكل  والملبس”  ويشير  فولنيVolney (م م ) المستشرق الفرنسي الى  ان  نسبة صغار الملاكين   كانت  عالية  ولم  يميز  بين الملاكين والشركاء  ذلك  انه لم  يجد  فرقا  ذا  شأن  بينهم،  ما  دام الشركاء  يتولون  استغلال  الارض “.

[5]  لقد  كانت  الارستقراطية  الاقطاعية  تتصف  بالانغلاق  على  نفسها  كفئة  اجتماعية. كما كان  الاعيان  اللبنانيون  يباهون  بالحفاظ على نبل محتدهم،  حتى  ان  بعض  الطوائف  كانت  تنسب  نفسها  لصحابة  النبي  محمّد .)مراجع  الزمن  الشهابي) 17 :63 . وينقل د توفيق توما (4 ) القصة  الطريفة لذلك  الشهابي في اواسط  القرن  التاسع عشر ويدعى الامير فارس سيد شهاب الذي رغب من قاضي صيدا ان يعطيه اثباتا عن نسبه واصوله .” فاصدر  القاضي  بذلك  حكما  ظريفا  ومصدّقا  بتوقيعه. يعدد فيه لصاحب اللقب اسماء اجداده التسعين الى ان يصل بنسبه الى  سيّدنا آدم. ولم يغب عن باله ان يذكران من اسلاف المستدعي، الملك سليمان واسماعيل ابن ابرهيم الخليل ونوح وان  يربط علاقته بالانبياء موسى وعيسى ومحمّد…”وهذا المقطع الساخر الذي حصل فعلا يعطي مثالا على تهافت رجال  الاقطاع  اللبنانيين اليوم في شديد رغبتهم رغم القوانين الصادرة التي تمنع ذلك بالقاب شحذها اسلافهم من الغزاة  العثمانيين منذ  قرون مقابل قهر اللبنانيين وسرقة  لقمتهم وامتهان كراماتهم .

[6] 13 :  23

[7] ” المقاطعجيي ” كما دَعَتْهُم العامّة

[8] 13 :21و45

[9] ان  الاقطاعيين  الدروز  احتجوا  بشدة  ضد  مشروع  نقل  الفلاّحين  (الموارنة)  الذين  كانوا  يعملون  في  اراضيهم  الى  المناطق  المارونية .  وكان  استجلاب  الاقطاعي  للشريك  الذي  يعمل  عند  غيره  يؤدي  الى  نزاعات  بين  الاسر  الاقطاعية  ويذكر ان  صداما جرى  في  آب  1842  في  قرية  غزير  بين  المشايخ  لان  احد  الفلاحين  ترك  سيده  ليخدم  سيدا  آخر وكانت بعض  فئات  من  الشركاء  تؤدي  الخدمة  العسكرية  لدى  الاقطاعي  فضلا  عن  تقديم  قسم  من   المحصول  له  وتزويده  بالمنتوجات  الزراعية  والقيام  باعمال  السخرة …وكانت  حريتهم  الشخصية  محدودة  “  اذ  ان  من  الصعب  عليهم  ان  يغادروا  الارض  ولا  يحقّ  لهم الزواج الا  بأذن الاقطاعي وكانت  اوضاع  التبعية  الاقطاعية  تنتقل  بالوراثة …   وكانت  العادات  القديمة  في  لبنان  تقضي  ان  يدهن  الطفل  بعد  ثلاثة  ايام من  ولادته  بالزيت  والآس (الريحان  المجفف والمدقوق) رمز الوداعة  والقوة.  وكان الامراء اصحاب المقاطعات  يبعثون  بالزيت  والآس  الى  اسرة  الشريك التي  ولد  فيها  الطفل  كناية  عن ارتباط  هذا  الطفل  بالاقطاعي(مراجع  الزمن  الشهابي )17 : 47-48

[10]  المرابعة:نوع من الشراكة يقدم فيها الاقطاعي الارض والسكن والماشية والبدار ويقدم الفلاح عمله  مع  افراد عائلته  ويدفع الضرائب  ويحصل  فقط  على  ربع  المحصول

الشراكة  الحموية:  يقدم  الفلاح  العمل  وسائر  النفقات والقسمة هي  مناصفة  مع  مالك  الارض

الشراكة  الحلبية:  يقسم  المحصول  بالمناصفة  ويؤمّن  المالك  السكن  والبذار  ويقدم  الفلاّح  العمل  والماشية  ويدفع  الضرائب  .

المشاركة  بالمغارسة :  على  المالك  تقديم  الارض  فيفلحها  الفلاح  ويغرسها  باشجار  وقد  يختلف  التقسيم  والملكية  حسب  طبيعة  الارض  وعطائها  .

 و”العَوْدَة ” هي  قطعة ارض “على  بعضها” تكون احيانا مفلح  5-10  ايام  وغير هذا لا تسمّى عودة.  وقليلون جدا هم الفلاحون الذين يملكون هذه  المساحة من الارض، لان ملكيات الارض في القرى باستثناء الذين  كانوا من الاقطاعيين او ورثائهم، صغيرة المساحات، وتصغر المساحات على مرّ الاجيال. كان الرجل اللبناني يقسّم  ميراثه  قبل  وفاته على  بنيه الذكور بالتساوي 20 : 121

[11] 14 : 128

[12]   82:15

[13] 17: 40

[14] ان  الفلاحين  والتابعين  منهم  للشيخ  خاصة  يقدمون  له  الهدايا  من  الطيور  الداجنة  والسكر  والقهوة  في  مناسبات  معيّنة  وخاصّة  في  العيد  الكبير  او  عندما  تحتفل  اسرة  الشيخ  بميلاد  او  عرس  او  عند  عودته  بعد  غيبة  طويلة، كما  انهم  يقدمون  له  الاحجار  من  المقالع  والاخشاب  من  الغابات  لبناء  منزله  بايعاز  منه .  وكان  الشيخ  لا  يقدم  لهم  مقابل  هذا  العمل  الاجباري  سوى  وجبة  العشاء 18: 285-286

[15] 20 : 43

[16] يوزع  الانتاج  الفلاّحي  في  تلك  الفترة  في  جبل  لبنان  بالنسب  التالية من  أصل  (100)  وحدة  بالعملة  المتداولة كما  يلي  :

الفلاح    في  جبل  لبنان       25  وحدة   وتقع  عليه  كلفة  البدار  والضريبة  والعمل  الزراعي

الأقطاعي  في   جبل  لبنان    25  وحدة

أمير  جبل  لبنان            20   وحدة

الوالي  العثماني                 10   وحدات

السلطان  العثماني               20   وحدة

  المجموع  الموّزع             100 وحدة

[17] 24  : 287

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>